عن الآلة في داخلي


 

منذ زمن لم أسمع صوت الآلة في داخلي، كنت أشعر بأنها معطلة وأخاف التأكد من ذلك، أخاف أن يقول لي الطبيب أن الأمر انتهى، فالأطباء وقحون في هذا البلد يقولون للمريض كل شيء، والطريقة الأمثل هي أن تتجاهل كل الأعطال والإشارات التي تشعر بها في جسدك، والأفضل لك ألا تفكر بزيارة طبيب.

مثلاً لا أذكر أن أبي زار عيادة طبيب في حياته وكان حين يشعر بأي مرض يسأل عمتي أو أمي أو أي ضيف فيقولون له إنها نوبة برد، ولذلك كان موته مفاجئاً لنا لأننا لم نكن نعرف شيئاً عن الأمراض التي يحملها ولأنه أب لم يكن يبكي أمامنا حتى لوكان يتألم، كان ينام فقط وينام كثيراً، مثلي الآن.

لكن أبي كان محظوظاً لأنه مات بيننا وفي بيته، فكان أمر إيصاله إلى مقبرة العائلة سهلاً للغاية، لم نكن لنتصور يومها أن هناك محنة أكبر من الموت، حتى جاء اليوم الذي رأينا فيه الأصدقاء يجازفون ويغامرون بكل شيء في سبيل إيصال جثة إلى مقبرة العائلة، بينما لجأ الغالبية إلى دفن موتاهم في أي أرض ريثما يحدد الله مصير تلك الأرض.

كنت أفكر دائماً بأمر واحد وهو أن لا نموت بهذه الطريقة، أقصد مقهورين كما مات والدي، وكنت أبحث عن أسم مرض يليق بأن يموت المرء به، أو أي سبب آخر يفضي إلى الموت كحادث سير مثلاً، أو أن تصعقك الكهرباء بصمت، أو أن تموت لأن عمرك انتهى.

لذلك أكره الحرب لأننا كنا ننتظر كل شيء ما عدا الحرب، حتى أنها لم تكن لتخطر ببالنا، لأننا وببساطة لم نكن نعرف حينها أن الحرب صناعة، وأن إخمادها معجزة.

لو أنني هناك لكنت الآن ميتاً لأن احتمالات النجاة صارت ضئيلة جداً، لا سيما أنني نجوت من الموت ست مرات أذكرها مثل البارحة.

في الخامسة من عمري نجوت من حريق في منزلنا بفضل أمي التي لعبت دور رجل الإطفاء بمهارة.

في السابعة من عمري نجوت من عجلات باص النقل الداخلي الذي كان يسير وأبوابه مفتوحة، وأيضاً بفضل أمي التي رمت بنفسها وسحبتني في اللحظات الأخيرة.

في العاشرة من عمري نجوت من رصاصة طائشة في عرس ابن خالي، في الرابعة عشر نجوت من الغرق في نهر عفرين، وفي الثامنة عشر نجوت من الموت بالكهرباء، وفي الخامسة والأربعين نجوت من فراق امرأة.

هذا يعني أنني استنفذت أرواحي الستة وأنا الآن أعيش بآخر روح وهي السابعة والأخيرة، ولذلك أخاف زيارة الطبيب وأخاف الكشف عن الآلة المعطلة بداخلي التي لم أسمع صوت دورانها منذ سنين، فقلت لأمي بأنني أعاني من بعض الأعراض فكان جوابها لي بأنني (آخذ برد).

لكنني سمعت قبل أيام صوت تلك الآلة بداخلي، سمعتها بوضوح وهي تدور ببطء، وتصدر صوتاً يشبه صوت الصدأ حين تتحرر منه العجلات، شعرت بذلك حين بدأ ضخ الماء إلى الشرايين اليابسة، وشممت رائحة الرطوبة تحت الجلد.

أعتقد أنه الحب، حب الحياة سحبني هذه المرة بلطف امرأة من موتي الأخير، لأنني كما قلت لكم أنا لا أخاف الموت لكنني أخافه هنا.

 

 

 

محمد سليمان زادة

شاعر وكاتب سوري

 
 
Whatsapp