هل يمكن استعادة الحاضنة الشعبية للثورة


 

 

 

في محاولة للخروج من حالة الاستعصاء الذي تواجهه قوى الثورة والمعارضة في الآونة الأخيرة، حيث أصبحت أدوات الفعل السياسي والعسكري مرتهنة للقوى الإقليمية والدولية، عاد الحديث عن الحاضنة الشعبية للثورة في إمكانية الإرتكاز إليها لإعادة إطلاق عمل ثوري جديد، أو التهيئة لفعل مستقبلي بعد تنفيذ ما ترسمه التوافقات من وضع سياسي جديد لسورية المستقبل.

هذا التعويل على الحاضنة الشعبية يرتكز لكون ماحدث في آذار 2011 لم يكن بداية الحراك الثوري في سورية، حراك عجلته أحداث الربيع العربي، لكنها لم تخلقه، ولم تصطنعه، كان هذا الحراك الثوري تطوراً في مستوى الحركة الشعبية المعارضة، وفي مداها، لكن على الطريق نفسه التي قطعها الشعب السوري قبل ذلك، منذ عقدين أو أكثر على حكم بشار الأسد، وتصاعدت مع وصوله إلى السلطة وراثة عن أبيه.

كان الشعب السوري يطالب بالتغيير، بإنهاء الفساد، وبإنهاء الاستبداد، بوقف التمييز والسلوك الطائفي بين مكونات الشعب السوري، باحترام حقوق الانسان السوري، وحين جاء هذا التطور في الحراك الشعبي في مرحلة الربيع العربي رفع الشعارات نفسها، وهي شعارات (سورية ديموقراطية، تنعم بالحرية، تحارب الفساد، تخضع كل مواطن للقانون، على قاعدة تساوي الجميع أمامه). وبقيت هذه الشعارات لأشهر أربعة هي السائدة في الحراك الثوري السوري، لم يرفع سلاح، ولم ترفع راية غير العلم الوطني علم الجمهورية العربية السورية، ولم يستجلب الدين إلى ساحة الصراع. وكانت المسيرة الشعبية العظيمة في حماة /تموز من ذلك العام الصورة المثلى لذلك الحراك الثوري.

لكن النظام واجه كل ذلك بالرصاص والتعذيب والقتل داخل المعتقلات، والتعدي على الأعراض، وأطلق شبيحته دون أي وازع أو قانون أو حدود، فسقط مئات القتلى في الشوارع، واختفى المئات، واعتقل الآلاف. وترتب على ذلك انهيار فكرة وجود هوية وطنية سورية ومعها مفاهيم المواطنة الحديثة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات لكافة المواطنين، وهذا لم يُبق للفاعلين السياسيين والمواطنين على السواء مجالًا لإنجاز التفاهمات والمصالحات، فكان الانفجار العظيم تعبيراً عن رفض المواطنين الحاسم للعقد الاجتماعي الذي فرض عليهم بالقوة والقهر والإذلال.

عكس الانفجار الشعبي حقيقة المجتمع وانقساماته السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية التي بُذرت ونمت وترعرعت وتجذرت برعاية غير كريمة من نظام الاستبداد والفساد. وتجلى ذلك بوضوح في النزعة المحلية الضيقة التي حكمت تشكيل التنسيقيات ومنظمات المجتمع المدني بداية والكتائب المسلحة تالياً، وتعثر كل محاولات التوحيد إن على صعيد المنظمات المدنية أو الكتائب المسلحة، حيث عجزت عن تشكيل كيانات جامعة بقيادة وطنية واحدة، وبقيت القوى مشتتة والجهود والإمكانيات مبعثرة، انسحب ذات الموقف على المعارضة السياسية بأحزابها وكياناتها الائتلافية التي لم تبلغ درجة التحالف الشامل، وقد زاد انخراط القوى والدول في الصراع في سورية في تكريس وتعميق الانقسامات والتشتت في ضوء سعي هذه القوى والدول لامتلاك موطئ قدم ونفوذ في المشهد السوري واستثمار ذلك في تحقيق مصالح خاصة لا علاقة لها بالثورة السورية وتطلعاتها وأهدافها.

لقد قاد فشل قوى الثورة، السياسية والعسكرية، في تشكيل قيادة وطنية موحدة ليس إلى عدم تنسيق وخوض معارك محلية وتباين البرامج والخطط فقط بل وإلى التنافس السلبي من أجل استقطاب دعم خارجي من خلال تحقيق مكاسب ميدانية، أو ادعائها، وتوفير مصادر دعم مالي وعسكري والاستئثار به والدخول في مواجهات جانبية لحماية هذه الإمكانيات. ما رتب تشظي العمل العسكري والإداري على أساس محلي ضيق وتعرض الفصائل المسلحة المشتتة والمبعثرة إلى ضغط عسكري من قبل قوات النظام وحلفائه ومحاصرتها في جزر معزولة وتصفيتها أو إجبارها على الدخول في مصالحات تقيّدها أو تُخرجها من الصراع، وإلى تقويض نفوذ ودور المستوى السياسي، المجلس الوطني السوري بداية ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وأخيرًا الهيئة العليا للمفاوضات، وإلى تراجع المراهنة على المعارضة كبديل سياسي للنظام. وبالتالي صار من الضروري العمل على إدارة حوار وطني لوقف هذا التدهور ليس بهدف إزاحة أي طرف من أطراف المعارضة الوطنية عن موقعه، بل في إزالة ما وقع من أخطاء وعيوب خلال سنوات الثورة، ومحاولة وضع برامج إستباقية وخطط تصحح مسار العمل الوطني. وبالتالي ثمة حاجة إلى عمل إنقاذي، لم يعد مقبولاً على الإطلاق التساهل في إنجازه، فهل نفعل ذلك، ونكون في مستوى التحدّي، قبل فوات الأوان؟

 

 

د – مروان الخطيب 

كاتب وباحث سوري

 
Whatsapp