العودة إلى المدرسة


يبدأ الموسم الدراسي الثاني ويعود المحظوظون من أطفال سورية إلى مدارسهم، بعضهم في بلدان اللجوء وقسمٌ آخر ما زال يرزح تحت وطأة القصف والموت في الشمال، أما مناطق النظام السوري فهي في حالة انفصام كامل عن الواقع والتاريخ ويتركّز التعليم في تلك المناطق على تلقين الطلبة تكذيبات لما حدث ويحدث، بالإضافة إلى توقيع اتفاق مع إيران، يُسمح بموجبه للجانب الإيراني المحتل أن يهيمن على كل مفاصل التعليم في سورية، وتعديل المناهج أيضًا، وسط تراجع ملموس في تعليم المواد الدراسية الأساسية.

ما يثير الانتباه وسط زحمة التحضيرات للفصل الدراسي الجديد بالنسبة للطلاب السوريين على وجه الخصوص (فيها ما يقرب الـ 700 ألف طالب) هو فرحة الطلاب بالمدرسة وحماسهم للعودة إليها بعد أيام قليلة من انقطاعهم عنها، في حين أننا كجيل أسبق واكب كل المراحل التعليمية في سورية لدينا من الذكريات المقيتة عن المدرسة ما يجعلنا مذهولين ببهجة الطلاب بالمدرسة وما هي أوجه الاختلاف التي تجعل الأطفال يشتاقونها في حين كان معظمنا يتحايل بالمرض ليتلافى يومًا إضافيًا في المدرسة.

علاوة على أن المدرسة ترتبط في ذاكرتنا بالضرب والترهيب وتحطيم الكرامة، كان لدينا كره أيضًا للعلم لا ندرك قيمته وغير قادرين على التفريق بين منهجية التعليم التي اتبعها النظام وبين العلم بحدّ ذاته. في تركيا يبدأ تحفيز الأطفال على القراءة والمطالعة واقتناء الكتب في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي فيكون لنشاط شراء الكتب والقصص القصيرة بالنسبة لهم متعةً تضاهي النزهة، وهو ما يعزز لدى الطلاب التمييز بين العلم والمعرفة كمصدر رئيس لتطورهم وإنمائهم وبين آليات دخيلة تتحكم بسير التعليم بفعل السياسات السلطوية.

احترام الطلاب، شخصياتهم وظروفهم، وتقدير الاختلافات فيما بينهم، وتشجيعهم على الحوار والتفكير والتحليل، هي الطريقة المثالية لبناء عقولهم، وهو ما يتطلب معلمين مؤهلين لإدارة هذه العملية، ليس فقط خريجي أفرع تعليمية أو تربوية مضطهدي المنشأ، وغير ذلك فإن أيّ تعليم جاف نظري وتلقيني سيفضي بالضرورة إلى إيجاد شباب غير قادر على الإنتاج، ضعيف يسهل ترويضه والسيطرة عليه.

الكثير من مواطن الخلل في سورية بالنسبة للتعليم متكاملة تبدأ بالمناهج ولا تنتهي بنفسية المدرسين الذين كانوا يتفننون بتعذيب الطلاب وضربهم بالعصا وشتمهم وشدّ آذانهم في مراحل مبكرة (الابتدائية)، وفي كثير من الأحيان كانت العقوبات تصل حدّ الإضرار الجسدي بالطلاب، في حين كان يُطلب من الأهل التكاتف مع الأساتذة فهذه الممارسات كما روّج لها النظام تهدف إلى ضبط الجيل وتربيته ووقايته من الانحلال في حين لم نشهد في تركيا أيّ حالة تعرّض فيها الطلاب سواء كانوا سوريين أو أتراك للضرب. أما المراحل الإعدادية والثانوية فكانت الصفوف أشبه بمعسكرات هدفها قمع روح الشباب وفكره المتجدّد ومن ثمّ تتحول المدرسة بالنسبة لهذا السن إلى كابوس ثقيل تتوجه طاقات الشباب للهروب من المدراس واستنشاق الحرية بعيدًا عن قضبانها. ما تبقى من مراحل تعليم عالي فلا داعي لكثير من الشروحات ويكفي أن يرسب الطلاب في المادة الواحدة أكثر من عشر مرات لأن الأستاذ يكرر مرارًا أن مادته أشبه بالنص المقدّس وينبغي حفظها صمًا، واستبدال أي كلمة بأخرى مرادفة كفيل بالرسوب وإكمال رحلة التعاسة المدرسية.

ولعل النظام التعليمي في سورية يشبه الأنظمة التعليمية في معظم البلدان العربية، يعتمد على تلقين الأطفال الشعارات والأكاذيب وتحويلهم إلى ببغاوات يردّدون لا يفهمون، ويقصيهم جبراً عن الفكر التحليلي والنقدي، ويفصلهم عن الواقع، فما يحدث داخل الغرف الصفية لا يشبه المجتمع ولا المنزل ولا حتى الحديقة والشارع.

الأنظمة القمعية تتفنن بتكوين النشء غير القادر على مجابهتها وهو هدفها المركزي، أما ما يترتب على ذلك من تدهور اجتماعي ومعرفي، ومن ثمّ عدم قدرة الأجيال على مواكبة التطور والدخول في عمليات تنموية واقتصادية حقيقية فهو لا يهمّهما طالما أنها لا تستمد قوتها من تطور الموارد البشرية والطاقات. ويبدو أن فرحة الطلاب السوريين بالعودة إلى المدرسة في تركيا تؤكد أننا على الطريق القويم، وتشير إلى  أن كل ما دفعه السوريون من أثمان كان واجبًا لا بدّ منه.

 

 

 

آلاء عوض

كاتبة وصحافية سورية

 

 

Whatsapp