مكانة إدلب بين الثلاثي سوريا وتركيا وروسيا


لا يخفى على أحد ما سُجل في صحيفة سيئات الولايات المتحدة في تعاطيها مع القضية السورية. بيد أن السياسة ذاتها عجّلت باتفاق سوتشي ووتيرة تحوّل العلاقات الاستراتيجية القائمة بين تركيا وروسيا. وليس هناك أدنى شك في أن مشاركة المعلومات والخبرات في مجال الطاقة النووية، بل وحتى إنشاء محطاتها في تركيا، والأهم من ذلك شراء منظومة صواريخ إس-400 رغم أنف الولايات المتحدة ونقلها إلى تركيا ونشرها يعتبر أكبر تكتل سياسي في القرن الحادي والعشرين. ولقد أعلنت مباحثات سوتشي، التي تعتبر المظهر الرمزي لهذه العلاقات، تحول التنافس التركي-الروسي إلى تعاون بين الجانبين.

عندما نقول إن هذه الوتيرة تمثل تحولا تاريخيا نكون قد أكدنا أن ملف إدلب سيلعب دور ورقة الاختبار في العلاقات التركية-الروسية. فهذه هي النقطة التي وصلنا إليها؛ إذ يعتبر ملف إدلب نقطة تحول فارقة في القضية السورية، كما أنه سيشكّل مستقبل العلاقات التركية-الروسية.

لا ريب أن سقوط 8 شهداء من قوات الجيش التركي بينما كانوا في مهمة تدعيم نقاط مراقبة مناطق وقف الاشتباك في إدلب يعتبر تطورا لا يمكن التغاضي عنه أو إهماله.

لا يمكن اعتبار استهداف قوات النظام السوري القوات التركية محاولة للبحث عن تفوق على الأرض، بل إنه بشكل ما يعتبر اختبارا للعلاقات الاستراتيجية بين تركيا وروسيا. وبعبارة أخرى فإن هذا التطور الأخير يعتبر محاولة في سبيل وضع وجهات النظر المختلف بشأن الملف السوري مرة أخرى في مواجهة بعضها البعض والبحث عن طريقة لتغيير المجرى التاريخي الذي بدأ مع اتفاق سوتشي. ولهذا ينبغي الانتباه للمحرضين على هذا الهجوم وإن كان ظاهرا أن نظام دمشق هو الفاعل.

تتصرف واشنطن بنفاق حتى وهي تؤيد رد فعل تركيا. وبعبارة أخرى يمكن القول إن الولايات المتحدة لا تشعر بالامتنان من ضغط تركيا على نظام دمشق الذي قتل مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري وتخطى أكثر من مرة الخطوط الحمراء التي وضعتها واشنطن نفسها. بل إن ما يهمها في هذا الأمر هو الصيغة التي ستصل إليها علاقة تركيا بروسيا.

وأما السؤال الرئيس فهو: هل سيسلك طرفا القضية، أي تركيا وروسيا، مسلكا سياسيا حقيقيا أم سيتصرفان بشكل عاطفي ليصبحا وجها لوجه؟

وبالرغم من تصريح الرئيس أردوغان بأنه لن يتم التضحية بالعلاقات التركية-الروسية رغم الاختلافات في وجهات النظر بين الجانبين، فلا يخفى على أحد مدى صعوبة المحافظة على استمرارية هذا الأمر إذا ما تذكرنا أن الجزء الأكبر من هذه المسؤولية يقع على الجانب التركي.

لا تزال روسيا تقدم الدعم للنظام السوري وتظن أن وجودها في البحر المتوسط لن يستمر سوى ببقاء هذا النظام. وفي مقابل ذلك نرى أن صبر تركيا ينفد. فمن ناحية يدمي قلوبنا كأبناء الشعب التركي سقوط شهداء من قواتنا، ومن ناحية أخرى نخشى موجة نزوح جديدة من الأراضي السورية، وهو ما يزيد الضغط بشكل كبير على تركيا. ولهذا ستلعب إدلب دور ورقة الاختبار في العلاقات بين تركيا وروسيا. وفي الواقع تلاحظ تركيا أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع روسيا عقب عملية نبع السلام أصابه الضعف وأن بوتين لا يستطيع الوفاء بما قطعه من عهود. ولهذا علينا أن نعتبر أن استهداف نظام دمشق المدعوم من روسيا القوات التركية بشكل مباشر للمرة الأولى بمثابة اختبار روسي لتركيا. ويبدو أن موسكو تريد تقريب النظام السوري من منطقة الخطر من أجل اختبار النتائج. بيد أن ثمة حقيقة واقعة، ألا وهي أن هذا الاختبار يعتبر من النوع الشديد. غير أن تركيا ستتحرك بتأن أولا قبل الرجوع لرموزها التاريخية الخاصة بعلاقتها مع روسيا. وعليه، يحب ألا تقع مسؤولية هذا الأمر على صانعي القرار وحدهم، بل ينبغي كذلك للرأي العام والأهم منهم من يزاولون العمل السياسي تحت قبة البرلمان أن يتحملوا جزءا من هذه المسؤولية. ولا يعني التحرك بتأن أن ننسحب أو نتحمل الخسائر. بل على العكس تماما، فإن ذلك يعني التقاط الأنفاس من أجل اتخاذ قرار صائب والاستفادة من الوقت من أجل رؤية الحقيقة ووضع تكتيكات استراتيجية. أي تفعيل الجهود الدبلوماسية.

وفي هذا المقام يتبادر إلى الذهن قاعدة وضعها السابقون؛ إذ كان أستاذ الدبلوماسية العظيم صالح منير باشا قد قال إنه يجب ألا نضحي بالمصالح الحقيقية والجدية في سبيل المصالح الكاذبة والجزئية. ولقد علمنا تاريخ العلاقات التركية-الروسية أن العدو لن ينقلب صديقا، كما علمنا العيش معا في سياق الظروف الإقليمية والالتزامات المتبادلة.

وفي نهاية كلامي أدعو الله أن يرحم شهداءنا وأن يلهم أمتنا الصبر والسلوان.

 

زكريا كورشون

 
 
Whatsapp