التصعيد في إدلب بين الحرص التركي والتشدد الروسي


 

في ظل التصعيد الأخير في إدلب وريف حلب، وضمن حالة من التحرك التركي الجديد، الذي يختلف هذه المرة عما سبقه، وفي سياق الحرص التركي الجدي على وقف هدر الدماء السورية، وإيقاف موجة التهجير القسري التي زادت في الآونة الأخيرة، حتى تجاوز عدد المهجرين نحو الحدود التركية مليون وستمائة ألف مدني سوري، ومن خلال تمترس وتشدد الروس، ضمن حالة من الانحياز الكامل للنظام السوري المجرم، اصطفافًا مع الميليشيات الإيرانية وحكومة الملالي الإيرانية، ومن أجل الاستمرار في تهديد الأمن القومي التركي، ثمة من يقول ويطرح مسألة غاية في الخطورة، عن إمكانية الاصطدام المباشر بين تركيا وروسيا على الجغرافيا السورية، في ظل استبعاد هذا الاحتمال من قبل العديد من المتابعين. وخاصة ما أُعلن عنه من قمة مرتقبة رباعية بين إيران وروسيا وألمانيا وفرنسا في 5 آذار / مارس 2020.وصحيفة إشراق سألت بعض السياسيين والمتابعين عن هذه الاحتمالات والمآلات المرتقبة أو المتوقعة. وهل يتوقعون صدامًا مباشرًا بين الروس والأتراك في الشمال السوري؟ 

السياسي والناشط السوري خالد عقيل قال " لا أظن أن يكون هناك صدامًا مباشرًا ولكن سيكون بالوكالة بين الجيش الوطني وميليشيات الأسد، ومصالح روسيا مع تركيا أكبر من أن ترتكب هكذا حماقة، بعد أن سمعت تصريحات الناتو وإشارات أميركية خجولة عن دعم للأتراك".

أما السيد رضوان الأطرش عضو الهيئة السياسية في إدلب فقال لإشراق "بعد فشل جميع الجولات السياسية بين أنقرة وموسكو وسيطرة النظام على أكبر قدر من الأراضي الواقعة ضمن منطقة خفض التصعيد الأخيرة بغطاء روسي كامل على المستوى السياسي والعسكري واستقدام تركيا لكمية كبيرة من وحداتها القتالية المدججة بالسلاح الثقيل، ورفض النظام العودة إلى تخوم سوتشي المتفق عليها واستهدافه الاستفزازي المتكرر للنظام التركي، تكون إدلب قد دخلت مرحلة جديدة من الصراع طابعه العام قتالي، حيث تم اشتراك عددًا من قوات الجيش التركي مع الجيش الحر في المعركة الأخيرة، والتي كان ضحيتها مقاتلين أتراك وجرح خمسة آخرين عبر استهدافهم المباشر من قبل الطيران الروسي . ورفض تركيا لتخفيض عدد نقاط المراقبة ومكان انتشارها والتراشق بالتصريحات بين الطرفين، والذي ظهر جليًا في اجتماع مجلس الأمن الأخير ومع كل هذا التصعيد العسكري هناك جولات سياسية دولية تدعو الطرفين لوقف الحرب وبالأخص روسيا، وتمنح الشرعية لتركيا للدفاع عن نفسها، وهناك دعوة لعقد قمة رباعية تجمع تركيا وروسيا والمانيا وفرنسا، لبحث الوضع من جديد والدعوة أيضًا للقاء ثلاثي يضم أطراف أستانة". ثم أضاف " هذا الحراك السياسي يتوقع منه الوصول إلى صيغة تفاهم دولية، ونعتقد أن الصيغة النهائية له هي العودة للمربع الأول وتنفيذ كامل لبنود سوتشي علاوة على ذلك فتركيا تسعى إلى شرعنة وجودها بقوة من خلال الدعم السياسي والقتالي من الدول الأخرى وخاصة الولايات المتحدة وحلف الناتو، الذي يقف مع تركيا حسب تصريحاته الأخيرة." ثم قال " طبعًا الحرب ليست الحل، ونتوقع عدم حدوث صدام قتالي بين الطرفين واقتصاره على ضربات موجعة للنظام لأن حجم العلاقات التركية الروسية أكبر من تمسك روسيا بنظام متهالك ونتمنى أيضًا أن تعود الأمور لسابق عهدها، وأن يكون تطبيق بنود سوتشي وعودة الأهالي لمكانهم الأصلي بعد تأمين الاستقرار الكامل لهم هو البوابة للانتقال السياسي، وفق القرارات الدولية ذات الصلة وأهمها القرار 2118 ".

أما السيد علاء الدين حسو مدير راديو فجر فقال " " من الصعب التكهن، بما ستؤول إليه الأحداث. ثمة اتفاقات ومصالح بين البلدين لم تكن تصل لهذه الدرجة من التنسيق والتعاون والعمل المشترك، لولا وجودهما على الساحة التركية. وأجد صعوبة كبيرة في تحديد لماذا يحدث صراع بينهما، فهما يمثلان قطبان لجهتين متصارعتين في سورية. روسيا تمثل النظام وتركيا هي الممثل للمعارضة. وتركيا تملك شرعية شعبية تفوق شرعية النظام. فهي اليوم تحتضن أربعة ملايين لاجئ وستة مليون نازح ومواطن في الداخل. أي عمليًا لديها شرعية وتفويض أكثر من النظام". ثم نبه إلى أن " النقطة الأهم أن كليهما يريد أن لا يخسر الآخر وإن كانا مختلفين في سورية وليبيا. ولكن البحر المتوسط والأسود وقزوين هي أيضًا مشكلة كبيرة. والنقطة الأخرى ماذا سيقدم الحلفاء لتركيا. ما هو الثمن وهذا مهم جدًا. والسؤال المرعب حقيقة وهو تركيا وموقفها من صفقة القرن. ودعمها للقدس هل سيكون الثمن؟ ونقطة أخرى، حين كانت تمر الطائرات الإسرائيلية وتقصف سورية سابقًا عبر حدود تركيا. كانت تلك الطائرات لا ترى كهدف معادي لتركيا. لذلك إلى أي مدى لن تحتفظ تركيا بأوراق وقوة عسكرية."

من جهته قال الدكتور إبراهيم البش في سلقين "لا أتوقع حربًا بين الروس والأتراك عل الأرض السورية بشكل مباشر، لأن ما يجري في إدلب وحلب ما هو سوا اتفاق سوتشي".

الأكاديمي المعارض الدكتور أحمد الحمادي تحدث بقوله:" مما لاشك فيه أن هذا السؤال يراود الكثير من السياسيين والمفكرين والمحللين والمتابعين للشأن السوري والتركي والروسي والمهتمين بالأمن  والسلم العالمي أي ما يخص إمكانية الاحتكاك بين الطرفين التركي والروسي، وللإجابة عليه ننطلق بما يراه الأتراك للشمال السوري، حيث تعتبر تركيا بأن ما يجري في الشمال السوري مسألة أمن قومي لتركيا ومرتبط به مباشرة ارتباطًا وثيقًا، حيث جاء ذلك بفصيح  العبارة على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حيث قال: ( أي كفاح ﻻ نقوم به داخل سورية سنقوم به داخل حدود تركيا ) و ( إذا تركنا المبادرة للنظام والأنظمة الداعمة له لن نرتاح في تركيا ) ، وهنا يعزف أردوغان على وتر الأمن القومي التركي حيث يرى بأن ما يجري في الشمال السوري يهدد استقرار هذا الأمن وستؤدي مضاعفاته السلبية إلى نقل تداعياته لداخل تركيا مهددًا أمنها القومي . وهذا ما دفعه للتصميم على إخراج النظام القاتل المجرم خارج حدود اتفاقي سوتشي وخفض التصعيد، وإذا رفض ذلك سيتم ضربه داخل حدود سوتشي وخارجها. وكل ذلك بدواعي الضرورات الأمنية المؤرقة للأمن القومي التركي، وبالإضافة لهذه الضرورات فتركيا ضامنة لاتفاقي أستانة وسوتشي وعلى الضامن الالتزام بما ضمنه هذا على صعيد الأشخاص، فكيف هو الحال على مستوى الدول؟!!!" وأضاف "  إذا لم تمارس تركيا متطلبات التزامات ضمانتها فهذا سيؤدي بها و بسمعتها السياسية ومركزها كدولة ذات ثقل إقليمي ودولي لعدم المصداقية ولخذلان من ائتمنوها ووافقوا بضمانتها وفقدان هيبتها وعنفواها السياسي أمام نفسها والآخرين و غير ذلك من المنعكسات، و لاحظنا بعض ذلك من خلال تهجم البعض عليها في الكثير من الأوقات، وأنا ممن يثق بالرئيس أردوغان وسياساته على الرغم من تعرج مسارها العام أحيانًا نتيجة للظروف الإقليمية والدولية المحيطة بتركيا، ولعل هذا ما حدا بالرئيس التركي مؤخرًا للقول ( إن تركيا لن تظل صامته  حيال ما يجري في إدلب، رغم تجاهل الجميع للمأساة الحاصلة هناك )، وهذا  ما دفعه  للطلب من الدول الوفاء بتعهداتها في إدلب، وهنا يشير لروسيا دون تسميتها ومكتفيًا بالقول :( هناك خروقات لن نتساهل معها من الآن و صاعدًا. ولن ننتظر الاجتماعات التي لا تنتهي)، ومباشرة بعد الخطاب تمت المبادرة للتواصل معه هاتفيًا من قبل الرئيس الروسي بوتين في محاولة لتهدئة الموقف، وليعبر الكرملين بعده قائلا :( بأن الجانبين اتفقا على أهمية تطبيق الاتفاقيات المشتركة بشأن سورية)، بينما كان قد أعلن أردوغان في خطابه :( بأن بلاده ستنسف كافة الاتفاقيات في حال تعرض جنودها لأقل الاضرار). وهنا نرى بأن هناك تناقض ما بين الرؤيتين الروسية والتركية فيما يخص سوتشي و أستانة  خفض التصعيد، فالروس رأوا فيهما وسيلة ومرحلة سياسية آنية لقضم المناطق الحرة الخارجة عن سيطرة النظام القاتل المجرم الواحدة تلو الأخرى، كما حدث في حلب والغوطتين وحمص ودرعا وحاليا في إدلب وأرياف حماة و حلب و حلب و اللاذقية في محاولة منها لمساعدة النظام لإعادة بسط سلطته وسيطرته على المناطق الثورية الحرة، بينما تركيا الضامنة لهذه الاتفاقيات رأت فيها السبيل والوسيلة للحل السياسي النهائي للقضية السورية وفق القرارات الدولية و التفاهمات في جنيف و مساره مع العمل كضامن في مساقات أستانة وسوتشي بنفس الوقت لعلها تساهم اذا ما حسنت النوايا الوصول لحل نهائي . ومع كل ذلك فيما يخص التطورات في الشمال السوري فلقد صدر موقف تركي مهم على لسان وزير الدفاع خلوصي أكار يؤكد فيه بأن :( تركيا ليس لديها النية لخوض مواجهة مع روسيا في سورية) وحدد الهدف المرحلي حاليًا بأن (ما تسعى إليه هو إلزام نظام الأسد بوقف إطلاق النار) وحول احتمال مواجهة روسية تركية أردف قائلًا: (هدف بلادنا هو تأديب النظام السوري مهما كان الثمن مع الاستعداد لمواجهة روسيا إذا حاولت التصدي للجيش التركي).

من جهته قال المحلل العسكري والأمني العقيد فايز الأسمر" إن موقف القيادة التركية السياسية والعسكرية صعب جدًا وهي الآن في الواقع بين المطرقة والسندان فهناك ثلاثة مواقف وطرق أمامها لا غير، وأحلاهم مر وهي: - تنفيذ. تهديداتها وتحمل تبعات ذلك داخليًا واقتصاديًا وخارجيًا، والدخول في حرب مع قوات النظام لتحقيق أهدافها المعلنة بإبعاد قوات الأسد إلى حدود سوتشي 2018. ولكن السؤال هنا هل سيكون ذلك متاحًا أمامها وستقف روسيا على الحياد كما ترغب أم ستتوسع المواجهة ودخول روسيا كطرف فيها إلى جانب الأسد وهل ستتحمل تركيا تبعات ذلك عسكريًا وعلى الصعد كافة...؟؟؟ _ الأمر الثاني هو الاستسلام للحسابات الصعبة وطي مسألة فتح المعركة وبالتالي خسران الموقف وانطباق مقولة نسمع جعجعة ولا نرى طحنًا والتي ستطلقها الأبواق المادية لتركيا. _ بحث روسيا عن حل يحفظ ماء الوجه وبالتأكيد سيكون دون انسحاب النظام عن المناطق التي سيطر عليها مؤخرًا. وقد تكون وقف لإطلاق النار، أو منطقة آمنة ورسم خطوط فصل جديدة أو إبعاد النظام عن M5.. M4 والمدن والبلدات التي سيطر عليها النظام مؤخرًا ووضع شرطة مدنية وحفظ نظام عوضًا عن الجيش والاتفاق على دوريات مشتركة روسية تجوب الطرق والمناطق".

 

 

أحمد مظهر سعدو

رئيس القسم السياسي

 
 
Whatsapp