في قاع المدينة


 

"1"

ليلة أمس كانا يختليان ببعضهما ويتهامسان أحيانا وهما يجالساني بشكل مريب، لم أهتم كثيرا للأمر، خمّنت أنهما يخططان لمشوار الغد ويتفقان على مشاريع صغيرة.

في الصباح وأنا أشرب قهوتي فكرت قليلا واعتذرت عن مرافقتهما، وفضّلت أن يذهبا وحدهما كي لا أنغّصَ عليهما بملاحظاتي وتدخلاتي بتفاصيل قد تسعدهما ولا أجدها مهمة.

ركنت سيارتي المتهالكة في موقف خاص ووضعت بطاقة الركن في جيبي، مضينا نتسكّع في أزقة وأسواق المدينة الحذرة الشاحبة وهي تحاول التملّص من دِثار سباتها إثر توقف الحياة لخمسِ أشهر سابقة بسبب الوباء.

بعد تجوّلٍ ومجاذبة للبضائعِ ونهار قائظ طويل دخلا متجراً للأحذية، فضّلتُ البقاء لتأمل البشر الهاربين للتو من حبسهم المديد، والمُنتشين بفرحة الانعتاق، اقتعدت كرسياً عاماً في وسط طريق السوق العريضة المرصوفة تحت الشمس الغاربة، وأشعلت غليوني ورحت أدخن بهدوء وأتأمل ملامح العابرين، أعمارهم، أحاول تحديد منابتهم الأم، والانصات لمراطناتهم بألسنتهم المتعددة:

الشابة الكردية الفاتنة دفعت شعرها الغزير للوراء التفتت لزوجها الشاب اللطيف بلحيته وشاربه الكثّ وطلبت منه التوقف عن دفع عربة طفلهما ليتسنى لهما التقاط صورة للذكرى، ربما لترسلها لأهلها في مكان ما كتعبير عن سعادتها التي لاحت في كلماتها، التصاقها بكتف زوجها بسعادة بالغة وابتسامة أثارت فيَّ الغبطة، كما أثرت خجلها حين انتبهت لنظرتي وابتسامتي الودودة لهما.

المرأة الالمانية التي ترافق ابنتها الصبية في تجوالهما لم أستطع تحديد أيهنَّ أجمل من رفيقتها، وأكثر جذلا بتخفيف القيود على التجوال بعد شهور.

خرج ولدي وابنتي من المتجر ويبدو انهما سيتابعان بحثهما في محلٍ آخر، فأشرت لهما بأني سأبقى جالساً بانتظارهما.

أشارا لي بالبقاء جالساً في مكاني ومضيا دون اكتراثٍ مني بجهتهم والوقت الذي يستغرقوه، مضى الوقت دون أن انتبه وأنا أتابع حركة العابرين وتفاصيل الازدحام، مرّ بي متسولون بطرائق شتى فوزّعت ما توفر معي من نقود معدنية، تذكرت أني بقيت بلا نقود بعد أن اخذ الأولاد ما لدي لشراء حاجياتهم.

تضاءلَ مرتادو الشارع الطويل وبدأ عمال المتاجر حركة بطيئة للإقفال وإنهاء يومهم المُجزي بعد طول انقطاع، استغربت تأخّر ولديَّ، مالت الشمس للمغيب وانخفضت الحركة واقفلت المحال أبوابها، بدأت ألحظ مع هبوط المساء خلو السوق من المارّة ولم يبق سواي وكناسي الشوارع وبقايا عمال متأخرين يمضون على عجلٍ.

نهضت عن المقعد والتفت في كل الجهات فلم ألمح ضالّتي، اخرجت هاتفي لأتصل فوجدته قد انطفأ لانتهاء طاقته التي استنفذتها بلا انتباه، شعرت بالعطش، كيف لم أحمل زجاجة الماء التي تركتها في السيارة؟

أسقط في يدي والليل يسحب عباءته فوق المدينة بلا تردد، وبقيت كتمثال حجري لا يدري ما يفعل ولماذا ينتظر.

لم يبق فرصة لاتصال وهاتفي جثّة خامدة، ولا أحفظ رقم هاتف أحد أو عنواناً في المدينة بعد ان سلّمنا محور وجودنا وكل شيء واتّكلنا على سلطة وغواية التكنولوجيا، فسلبنا العجز والاستسلام الغبي أي قدرة كنا نمتلكها فيما سبقَ.

بين اشتعال لهيب الأسئلة والحيرة والبحث عن ثغرة فهم ما جرى ويجري كان الظلام قد حلّ والوقت تأخر كثيراً، لا أمتلك نقوداً لأدفع كراء ركن السيارة والمضي بحثاً عنهم، لغتي الركيكة بدت عائقاً ذي قيمة.

ما وجدت سوى انتظار قدوم البوليس، وهم لم يتأخروا كثيراً بعد خلوّ الدروب من المارة، إذ اقتربت مني دورية راجلة مستغربة جلوسي وتجولي في المكان وحيداً دون مبرر مقنع بالنسبة لهم. تفحّصوا إثباتاتي الشخصيّة واستمعوا لحكايتي المبعثرة بلغتي الركيكة، تأملوا في بطاقة ركن السيّارة في موقف ليس بعيداً، أجروا بعض اتصالاتهم وكنت آمل أن يتوصلوا لشيء لعلي أفهم ما جرى ويسكن روعي وحيرتي، ولكن عبثاً.

كأنهم ما اقتنعوا كثيراً بحكايتي وتركوني وحيداً ومضوا وبقيت متمسّكاً بالقفرِ الساكن المعتم، في تلك اللحظة تماماً شعرت بنفسي سجيناً لا حول لي ولا قوّة وتغزوني أخيلة البؤس وانعدام الحيلة، خمش قلبي الهلع من الاحتمالات، الوحشة والعطش وانسداد الأفق بلا نصيرٍ في هذا المدينة التي كانت آنسةً في الضحى، واستحالت في المساءِ لوحش بغيض يأخذ منك كل شيءٍ بخبطةٍ واحدة!

"2"

بعد أن انهزم الليل وتجاوز مراهقته الأوّلى ودخل في طور الكهولة المتّزنة، مضيت أمشي على غير هدى، تائهاً شريداً مشتت الذهن والخطوات، أخذتني قدماي نحو النهر، في الطريق أستعرض الوجوه التي تبعثرت على الأرصفة وهي تصطاد في العتمة الرائقة، ملامح مشرقيّة لصبايا بعمر الورود أنجز تشريدهن الطغاة وسلبوهن فرصة الحياة، يتسوّلن على الجسر أي عابر سبيل، بأجسادهن البضّة المعروضة للنهش والكراء بمقابلٍ بخسٍ، وفتيان نزقون يدخنون حشيشة الكيف ويتبادلون السباب بأعلى صوتهم فتشقّ أسداف الليل الهادئ حتى تصل الشتائم لكبد السماء.

سامرتُ النهر حتى ارتوى، شكا لي وشكوت بلا طائل، فالموجات الخفيفة كانت تدثّر كل مسامرتنا وشكوانا، لم تسمح لمتلصص ان يسترق السمع.

حين طلع الفجر أهملني النهر ومضى غير مكترث لعمله، غابطاً العصافير وضبابا شفيفاً ربّت على كتفي النهر الذي أهملني ومضى في نقل المراكب المسطّحة، وأشرعت مقاهي الصباح للصيادين والمدخنين بشراهة، ولشعراء المواسم الطارئين والمشردين الذين لملموا أغطيتهم وفرشهم المتربة، ودسوها في ركن آمنٍ ما حتى يحين موعد الانطفاء الليلي التالي.

لم اكتشف مصير ولديّ، غير أن عمال البلدية أخبروني بأني منتهي الصلاحية ويجب إزاحتي كحجر عثرة ناتئٍة في الطريق، بقيت كثور هرمٍ أدور حول ذاتي وأغرف دلاء الرمل من نهر نهاريٍ في بيدائي، تلك التي لم تعد تروق لهذا الزمن اللاهث وراء ألوان الوهم المخادع.

 

محمد صالح عويد

شاعر وكاتب سوري

Whatsapp