هوامشُ أيَّامنا


 

رأيت الموت يجلس على حافة الرصيف

عابساً.. يعقد ما بين حاجبيه

ونحن صغارٌ لا يستر عرينا 

إلا الزغب.. 

لكنه يمنحنا الدفء في خضم معاركنا 

مع أقراننا والطفولة المشتهاة

على جفن الحلم الذي يفيض بالأمل

نتداول الضحكات المجلجلة

ونتسابق على قارعة الطريق

قالت أمي:

" اقذفوه بالنرد "

" خادعوه "

فلا يقترب من ألعابكم

ولا يسرق أيامكم

وحين قذفناه بالنرد 

ألقى عليه وعلينا نظرة حانية

"ابتسم.. ثم رحل ...!!"

نرد أمي لا يشبه أي نرد آخر

هو أبيض في كل وجوهه

"مثل قلبها ...!!"

لا دوائر سوداء

ولا أحلام مسلوبة

--

ينهض الموت بعد دهر 

يستند على عكازه بقسوة

ظهره المحني لا يمنحه فرصة 

للَّحاق بأحد

يتخبط بشكل عشوائي

يقذف بعكازه هنا وهناك

فإذا أصابت أحدهم

(ابتسم.. ثم نام في هدوء)

فنضحك حين ذاك

ونلوح له من بعيد ...!!

--

شديدو الهلع نحن الآن 

نحث الخطى 

نلهث فوق حصى الدروب

نتدافع.. حتى انقطاع الأنفاس

باغتتنا عودة الموت 

"وقد اشتد ساعده"

" الموت عاد شاباً "

ويلحق بالجميع

فقدنا نرد أمي الناصع البياض

وفقدنا معه ذاك الأمان 

الذي كنا نرتع في ظلاله

والسلام ...!!

--

أيامنا كعجلة (الروليت)

تدور.. وتدور.. بسرعة رهيبة

وأنفاسنا المعلقة عليها

فيما يشبه مخاض الاحتضار

عيوننا الجاحظة تبتهل 

في خوف وخشوع

فكلما توقفت لحظة

"نالت واحداً منا"

مقامرة هي حياتنا وأيامنا

وعيوننا معلقة على الجادة الضيقة 

هناك.. حيث تحمل ظباء بيضاء

أرواحاً ما عرفت إلا البياض

فتأخذها من معبر النور

حيث الطرق الواسعة

والمروج الخضراء

إلى الفردوس الموعود

الحياة ترهبنا كثيراً

ونحن على قيد الانتظار

كلما زرعنا غصن زيتون

حطمته عاصفة الرحيل الهوجاء

ما عاد يرهبنا الرحيل 

والموت محراب 

"لصلاة النجاة والخلاص"

 

 

افتخار هديب

شاعرة وكاتبة سورية

Whatsapp