على جسر الخلاص


 

 

لا وقت، فالخيل الشاردة ضاقت بلجمها واقتحمت غمار الحروب المؤجّلة.

لا وقت، للنجوم المتخفّية خلف الغيم إلا أن تضيء جسدها نوراً للسفن التائهة في ظلمة البحر.

لا وقت، أيها الطفل المتشبث بضلوع أمه كتشبث الراهب بقنديل الزيت وهو يحني ظهره عند المدخل الحجري المنخفض بكنيسة قديمة ليتبارك برأس النبي القابع في الصحن الفضي المركون بالمشكاة الضيّقة.

لا وقت لديك أيها الفارس المسجى على عتبة الاحتضار، تتدافع أنت والموت أعزلَ إلا ممّا يلهج به قلبك قبل النفس الأخير.

لا وقت للصمت فالقائد يستكمل الوصيّة وهو يتربّص بالحياة، وينفث تنين حقده ناراً تحرق البلد. 

لا وقت لدى القائد فمازال يرقص عارياً على جماجم الضعفاء وأشلائهم المبعثرة على مساحة وطن أسير.

لا وقت للتراجع فالسفن المحروقة من خلفنا وحراب الروم وسكاكين التتار من أمامنا تنتظر المحكومين بعبوديّة (إلى الأبد).

لا وقت للذكريات، فالدفاتر العطرية والحروف الورديّة والصور البريئة التي رسمت طفولتنا ومراحل عمرنا وآمالنا العريضة صارت رماداً في لهيب الهمجيّة.

لا وقت للبكاء فينابيع الدمع جفّت أمام ارتعاش الطفل الصارخ أمام سكّين الجلاد القاتل متوسلاً إليه: 

  • الله يخليك يا عمّو.. لا تدبحني يا عمّو.

لا وقت للتصوير فالهياكل العظمية المرتّبة في أقبية (الهولوكست) الشرقيّ تنتظر دورها بالدفن بعد أن تحول كلّ منها إلى مجرد رقم يعلق بإبهام قدمه ولا يمتلك (حق النقض) على حق النقض الذي يمنح القتلة فرصة أطول لمزيد من التعذيب حتى الموت.

لا وقت للغفران فصرخة الفتاة البكر التي كانت تنظر إلى الغد بأمل ولهفة، صارت حشرجة وهي تستجدي الوحش اللاهث عارياً على جسدها أن يقتلها لتنجو من عارها، ومن رائحة عرقه العفن، وأنفاسه الكريهة.

 

لا وقت َ للرحمة، فالرحلة إلى السماء دنت، وأدرك ميعادها ذلك الطفل الخارج توّاً من ركام بيته بعينين تتلامعان وسط وجهه المعفّر بالتراب، وهو يهدّد الإنسان والإنسانيّة أنه سيخبر الله بكلّ شيء:

  • بدي أحكي ل «الله» كل شي...!

لا وقت للشفقة، فشفتا تلك الطفلة الرضيعة ترفضان التخلي عن حلمة ثدي أمها الميتة، وكأنها تردّد:

  • لم أشبع، فحليب الأمّ لا يُشبع منه.

لا وقت لصحوة الموت من براثن الكيماوي الذي اقتحم الليل وبدد سكون غوطته بحشرجة ألف طفل خنقتهم قبل أن يبلغوا سنّ الرشد، ويفرحوا بهويّة خضراء كم حلموا بها...  

لا وقت... 

لا وقت للفجر كي ينتظر البزوغ 

لا وقت للشمس كي تنتظر الشروق 

لا وقت للقمر كي ينتظر السطوع 

لا وقت للشعب كي ينتظر الخلاص 

فالخلاص لا يكون إلا بانتزاع الخلاص من مخالب القتلة وحِرابِ القراصنة وأَسِنّةِ شذّاذ الآفاق ......!.

 

 

عصام حقي

شاعر وكاتب سوري

Whatsapp