المتطفلون على السياسة باسم الدين والثورة السورية


 

قد يبدو العنوان عدائياً أو متجنّياً على كل من انخرط في عالم السياسة من بوابة الدين ـ وهنا لا أقصد ديناً بعينه كي لا يساء فهم المقالة وكأنّها تريد النيل من طرف محدّدـ فالجميع بات يدرك مدى الأذى الذي لحق بالشعب السوري عامة جرّاء الأصوات التي علت خلال فترة الثورة السورية العظيمة باسم الدين، وأسكتت كلّ الأصوات التوفيقية الوطنية المنادية بالحرية لكلّ الشعب السوري والكرامة لكلّ الشعب السوري والديمقراطية أيضاً لكل الشعب السوري بلا استثناء. في دولة القانون والعدالة والمساواة.

لن أخوض في مفاهيم السياسة والدين والتي مازال الجدال قائماً حول تلك المفاهيم كي لا أجد نفسي عالقاً في جدل آخر حول العَلمانية التي هي الأخرى لم يتم الاتفاق على تفسير واحد ثابت لها، فكلٌ ينظر إليها من الزاوية التي تتناسب وأيديولوجيته، وبالطبع لن يكون منصفاً من وجهة نظر "الآخر" الذي لا يحمل نفس الأفكار أو الذي ينتمي لمدرسة فكرية مخالفة.

ولكن أريد هنا بعيداً عن المتداول ـ أن أقيم الأمر من خلال التاريخ السياسي في سورية خلال القرن العشرين وتحديداً بعد خروج المستعمر الفرنسي وظهور الأحزاب السياسية، حيث يمكنني القول أن معظم الأحزان التي نشأت في تلك الفترة لم تكن خارج المدارس الفكرية الثلاث التالية: القومية ـ الماركسية  ـ الدينية، ومن يلاحظ الأحزاب التي تبّنت مدرسة من تلك المدارس الفكرية سيكتشف أنّها جميعها عابرة للحدود ومتناقضة تماماً مع مفهوم " الوطنية"، ولذلك نجد أنفسنا اليوم وبعد ما يقرب من السبعين سنة وأزيد ما زلنا نحاول أن نتلمّس طريقنا نحو الوطنية التي لم تتبلور في أذهان مجتمعنا الذي عاش ردحاً طويلاً يردد شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.

تحوّلت سورية وسائر الدول العربية إلى ما يشبه المزارع يملكها "الآغا" رغم وجود تلك المدارس الفكرية والأحزاب، بل وساهمت تلك الأحزاب بتكريس مفهوم المزرعة على حساب" الدولة ـ الوطن"، وذلك إمّا بالانخراط في لعبة " الآغا" من أجل بعض المكتسبات كما حصل مع أحزاب (الجبهة الوطنية والتقدمية)، أو مناصبته العداء إلى درجة استعمال العنف لتبرير العنف المضاد الذي قاد البلاد إلى الاستبداد المتوحش لما بات يطلق على سورية " مملكة الصمت "، وهذا ما قام به حزب الأخوان المسلمين خلال السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، الأمر الذي مكّن حافظ الأسد من الهيمنة المطلقة على البلاد وإصداره مرسوماً يقضي بالإعدام على كل من " يشتبه" بانتمائه لحركة الأخوان المسلمين، في حين كان المستهدف من ذلك القانون جميع العرب المسلمين دون استثناء.

هذا النموذج من " الإسلام السياسي" وأقصد هنا حركة الأخوان المسلمين كأبرز مثال على الأحزاب الدينية، استطاع أن يدمّر الحياة السياسية برمتها في الدول العربية ويعزّز سلطة العسكر، وحتى في أوج الربيع العربي لم يكن دوره أكثر من محاولة ركوب موجة الثورات بغية استغلالها للوصول إلى السلطةـ هذا كأقصى احتمال لرسم صورة وردية ـ إنّما الوقائع التي جرت طوال سنوات الثورة لم تكن تمت لتلك الصورة " الوردية" بتاتاً بل على العكس كانت قاتمة جداً حتى باتت أقرب للإنقلاب على أحلام الثوار وسلبهم كلّ الإنجازات التي ضحّوا من أجلها، فبدا دورهم أقرب للطابور الخامس الذي فتح أبواب " مدريد" لتدخل كلّ الميليشيات الطائفية من كلّ الأديان السماوية وغير السماوية، ليصبح المشهد أمام العالم ـ كما أراد الغرب الصهيوني ـ وكأنما حرب دينية أو كما يحلو للرئيس الأميركي الأسبق " أوباما" أن يصفها بالحرب الأهلية، وليس ثورة شعب أراد الحرية والكرامة.

قد تكون النوايا حسنة، ولكن النتائج على الواقع تقول عكس ذلك منذ ولادة تلك الحركات الدينية حتى اليوم، فهل نحكم على النوايا أم النتائج؟. وبما أن السياسة كما يعرّفها الساسة أنفسهم " فنّ الممكن، وفن المراوغة" وأنّ السياسة لا تعرف الأخلاق. فكيف للدين أن نقحمه في ذلك المستنقع الآسن ؟!.

يبقى السؤال الكبير: لماذا تحتضن بريطانيا وأغلب دول الغرب كلّ الغلاة المتطرفين أصحاب الخطاب السياسي " الديني" ؟. ولماذا عاش الخميني في منزل تابع للمخابرات الأميركية في إحدى ضواحي باريس؟ وهاهي حماس تصف قاتل أطفال سورية والعراق قاسم سليماني بشهيد القدس، فهل الإسلام السياسي إلّا وجه آخر للاستبداد؟.

 

ياسر الحسيني

كاتب سوري

Whatsapp