اليُتم الأكبر


 

يصادف مع بدايات شهر نيسان/إبريل يوم اليتيم العالمي والعربي، وللسوريين في هذه المناسبة حيز كبير من اليتم ومعاناة فقدان الأب والأم ، كما لديهم ما هو أكبر من ذلك، لعله اليتم الأكبر، وهو فقدان الوطن السوري، حيث أضحى ما ينوف عن نصف الشعب السوري بلا وطن، يهيمون على وجوههم في كل أصقاع المعمورة، نتيجة استمرار المقتلة الأسدية الكبرى، التي قابل بها بشار الأسد شعبه يوم فكَّر هذا الشعب بالخروج سلميًا إلى الشوارع في محاولة جدية لإنجاز ما عجزت عن إنجازه أجيال سبقت، وهو الوصول إلى دولة الحرية والكرامة، دولة المواطنة، وفي مجتمع يسوده العدل والقانون والدستور وليست آلة القمع والإرهاب الأسدي.

في يوم اليتيم  العالمي يقف الشعب السوري بحالة وجوم متطلعًا نحو حيوات أكثر حرية، ونحو واقع سورية بلا آل الأسد، وباتجاه واقع لا يُتم فيه أبدًا، فقد أثقلت أعداد الأيتام المتصاعدة اضطرادًا كاهل السوريين، لتصبح بمئات الآلاف، بلا معيل ولا نصير إلا الله، و بعض أهل الخير.

لا غرو أن ما فعله نظام العصابة الأسدية في سورية والشعب السوري الكثير الكثير، وما أنتجت يديه الملطخة بدماء السوريين هو أكثر وأشد صعوبة، لكن اليتم الأكبر كان بتهجير السوريين القسري إلى خارج سورية، وإلى كل الدول الإقليمية والعالمية، وهو الأشد مضاضة، والأكثر صعوبة والأكثر مرارة.

وباستمرار نظام الأسد في مقتلته على امتداد الجغرافيا السورية، وإصراره على التمنع وعدم الولوج بشكل حقيقي في أية عملية سلمية نحو الانتقال السلمي، كما نصت على ذلك قرارات الأمم المتحدة، والإمساك بخياره في الحل العسكري والأمني، يساهم بشكل مباشر مع كل الذين يدعمونه من ميليشيات طائفية استقدمها من كل بقاع الدنيا، ومن جيوش إيرانية وروسية، في الإجهاز على كل ملامح أي حل سياسي في سورية، ويفعل ذلك بشكل عملي في لجم كل أنواع إعادة بناء سورية على أسس حديثة، تعيد إنتاج الوطن السوري على وقع ماهيات جديدة لا تقبل العسف والقتل والاعتقال، فهو (أي هذا النظام) ما برح ينتج حالات وحالات جديدة من الاعتقال السياسي المستمر، ويهجر المزيد من السوريين، سواء كنازحين في الداخل السوري، أو لاجئين في دول العالم. ويراكم أعداد الأيتام ويرفع حجم الدمار وتكلفة إعادة الإعمار في سورية التي تجاوزت حسب تقديرات أممية عتبة 450 مليار دولار في أقل تقدير. 

إنه ينجز حالة من اليتم الأكبر لكل السوريين حتى من هؤلاء الذين يسمون أنفسهم حاضنته الشعبية أو الطائفية، فقد نالهم ما نالهم من القتل والعسف، ناهيك عن أحوال الاقتصاد السوري  المتدهور الذي دفع البلاد إليها، خلال سنواته الحادية عشرة من مواجهته السوريين في مقتلة مازالت مستمرة في إدلب وكل الشمال السوري.

ولعل هذا الإنجاز الإرهابي الذي تفتخر به أدواته العصاباتية وأدواته الأمنية، هو الذي يراكم أعداد الأيتام في سورية، ويجعل من التهجير القسري مسألة ترتقي لأن تكون جريمة العصر بكل المقاييس القانونية الدولية، والأخلاقية، وهو ما يجعل إعادة تعويمه أو تدويره مسألة في غاية الصعوبة حتى لو وجد من يدعمه من روس وإيرانيين، أو عثر على بعض الدول العربية التي تتلاقى مصالحها مع  مصالحه ضد السوريين كافة. فيفتحون لمسألة إعادة التطبيع معه، ووصل ما انقطع منذ عشر سنوات خلت.

في يوم اليتيم السوري لا يملك الإنسان السوري إلا القول إن كل ما فعله النظام السوري من إرهاب ضد شعبه وما عمل عليه من عنف ومصادرة حريات البشر واعتقال مستمر لكل الذين قالوا له لا. إن كل ذلك يدفع السوريين ليكونوا أكثر إصرارًا على كنس الأسد ومن معه، ولا أمل أبدًا في القبول به كحاكم قاهر للبلاد والعباد، ولأي محاولة لإعادة تدويره، حتى لو اجتمع العالم على ذلك فقرار السوريين واضح وناصع، أنه لايمكن أن يكون نظام العصابة والقتل مقبولًا في سورية، وسوف يتم كنسه عاجلًا أو آجلًا .

وهو ما يجب أن يَطمَئنَّ إليه أطفالنا الأيتام أيضًا، حيث كان نظام الأسد السبب في جعلهم أيتامًا بلا أب أو أم، وبلا وطن في كثير من الحالات، نتيجة إجبارهم على التهجير القسري، وهي سياسة طالما عمل عليها نظام الأسد منذ أحد عشر عامًا ونيف، لإفراغ الوطن السوري من السوريين وليستبدلهم بالميليشيات الطائفية الإيرانية والباكستانية والأفغانية والعراقية واللبنانية، التي أتى بها إلى سورية، واشتغل على إحلالها محل السوريين.

 

 

أحمد مظهر سعدو 

رئيس القسم السياسي


 

Whatsapp