في ماهية (مستقبلنا المشترك) 


 

 

لعله ليس (مستقبلنا المشترك) فحسب، إنه الماضي والحاضر والمستقبل، ولوجًا إلى الكينونة والإنجدال والتمفصل، وحسب الكبير(إلياس مرقص) هي (التاريخانية) بما تعنيه من التواصل والربط الفكري والسياسي، الذي لا فكاك منه ولا مناص، ولا حياد عنه، ضمن علاقات تمثل الحضور في الغياب، والغياب في الحضور، وكذلك الحضور في الحضور، عبر اندراج حيواتي متمثل بالمنفعة والمصلحة والمصير المشترك، الذي لا يمكن إلا أن  يرسم ملامح المستقبل المشترك الآتي لا ريب في ذلك.

(قد عز شهودي إذ رمتا) فأشرت لفعلك إذ يحدد المآلات الآتية لا ضير في ذلك، وإذا كانت مداميك الحاضر قد وضعتنا بالضرورة في سياق مفاعيلها الدراماتيكية، فإنها أيضًا ترسم ملامح المستقبل الأكثر التصاقًا، والأجدر قوة على الفعل الآني، وصولًا إلى ملاذات مقبلة ليست آيلة للسقوط، بل تشتغل بكل ما تملك على إنجاز حالات من الاندماج والفعل المادي والروحي على حد سواء، وهذه ليست أضغاث أحلام، ولاهي تهويمات فضائية، ولا هي تلاطم أمواجًا بحرية أو نهرية، لكنها وبكل ثقة رسم استراتيجي واع لما يريد، وممعن للنظر فيما يتوقع وينجز، من خلال وعي الذات ووعي الضرورة، واشتغال في ماهية (التاريخانية المرقصية)، وفي عمق وكنه المسألة برمتها، وفي جل المعطيات المتحركة حيث لا سكون، إنها الحركة، ودينامية الانجدال في البعد التراثي للقضية، وفي حركية العلم التطبيقي، الذي يمكن الاتكاء عليه، ليعطينا المنجز الواضح في معالمه، المتمرس في الغايات والضرورات،  والملتف حول الذاتية والموضوعية على حد سواء.

في ماهية (مستقبلنا المشترك) كسوريين وأتراك نعمل بكل ما نستطيع على تجاوز الانفلاتات العنصرية المنتهية على صخرة الواقع الميداني، الذي يرفض الانضواء تحت عناوينها المتخارجة مع كل التاريخ والحاضر والمستقبل الذي يجمعنا، وغير المتساوقة مع العلاقة الأساسية العميقة، التي سبق وبنت لنا مجد أمة، ولامست في انطلاقاتها العالمية بناءات الدول الكبرى والعظمى، حتى وصلت إلى الأندلس غربًا، وإلى الصين والهند شرقًا، وساهمت في بناء حضارة مازلنا وما يزال العالم يقف احترامًا وإجلالًا لها. 

ويبقى السؤال الملح كيف يمكن لنا أن لا نسمح بأن تعوق مسيرتنا ومسارنا كل تلك الانبثاقات المنفلتة من عقالها، والذاهبة بالشعبين إلى مآلات لا يحمد عقباها، وهل يمكن لنا سويًا أن ننجز حالة وجدانية وعملية كذلك، تلجم كل تلك التعديات على مصالحنا المشتركة، وتعيد البناء من جديد على أسس صحيحة وواعية لما تفعل، وعميقة الغوص عبر اليم المشترك الذي كان يومًا والذي سيكون دائمًا، وهل سيكون لشعبينا القدرة الواعية على إحراز ذاك التقدم المشهود والمنشود. يجيبنا الواقع المعاش بأن الشعوب ونخبها الفكرية والسياسية قادرة على فعل الكثير فيما لو أرادت، ومن ثم امتلكت أدواتها في الممارسة اليومية، ولوجستياتها في الحركة والفعل، وهي مندرجة في أتون هذه الحركة والفعل على كل الصعد.

يحار المرء وهو يلاقح بفكره الموضوعي والموسوعي حالات التشظي والتذرر، لكنه أبدًا لا يجوز أن يسمح لحالة الإنهزام أن تصل سياقاته الميدانية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون اليأس هو التفكير المهيمن، حيث لا مناص من التفاؤل، ولا إمكانية إلا بالارتماء كلية في أحضان الأمل المستند إلى الواقع والمستقبل، من منطلق أن لا حياة بدون أمل، ولا مستقبل من دون عمل جدي وفاعل، يعي ما يريد ويتطلع إلى مستقبلات الأيام الأكثر إشراقًا بكل ـتأكيد، وهذا اندراج استقرائي واستنتاجي في النهايات المرجوة التي تبني ولا تتراجع، تفعل ولا تستسلم، تدرك ولا تعمم، وتحاول إعادة إنتاج الواقع على محددات للمستقبل المشترك تكون راسخة البنيان بلا منازع، ومؤمنة بما تود فعله، وشاخصة بالأبصار نحو المستقبل القادم الجميل لامحالة، رغم كل أنواع الاستبداد وكم الأفواه. يرون ذلك بعيدًا ونراه قريبًا إن شاء الله.

 

 

أحمد مظهر سعدو

رئيس التحرير

Whatsapp