خمسة .... فقط


 

كمن يحارب الهواء بسيفه، أو يقبض على الماء بكفّه، كان "سيف الدين" يحاول تحقيق التوازن بين طرفي المعادلة الصعبة، الدخل، والمصروف.  

اليوم جمعة، ولم يمضِ من الشهر سوى نصفه، أفاق إثر ارتطام شيء ما بخاصرته، تحسس مكان الصدمة، ارتسمت بسمةٌ باهتةٌ على وجهه، أمسك ابنه الصغير "مؤمن"، الذي كان يلعب مع أخته "ثريّا، فدفعته على فراش الأب لإيقاظه.

اعتدل في فراشه، كانت الأصوات المنبعثة من الغرفة الثانية، تصل إلى مسامعه:

- فول... حمّص... فلافل، أنا أحب الفلافل مع الطحينة... بيض... خبز.  

انتصبت زوجته فوق رأسه:

- نريد ربطتي خبز... أو ثلاث.  

رد "سيفو" بخجل:

- والله ما في جيبي، ولا ليرة... دبّروا حالكم.

حسب هذا الفصل الصباحي المؤلم، بقي لساعة متأخرة، وهو يوسوس، سهر حتى الفجر، دعا ربه، تضرّع له، ليفرج كَرْبه، إلى أن أطبق النوم جفونه.  

خرجت الزوجة، تركته يعيد شريط الذاكرة. لابدّ من الخبز، الفَرّان لا يبيع بالدَّيْن الذي سيموت بالتقادم، ثم إن الفوال أقسم بملء حنجرته، أنه لن يعطيه حبة فول ما لم يدفع الثمن مقدماً، بائع الخضروات صار يتشاءم من اسمه، ولن ينسى أبداً يوم أغلق بابه، حين رآه قادماً، منذ أيام، مضت، واشتكى له بسخرية، وتهكم:  

-عمي، لقد كسرنا الدف، وتركنا الغناء والرقص، طالعت روحي يا جاري، امتلأ الدفتر بالديون، أنا أفلست يا بن الحلال ...  

فكيف سيذهب إليه، ويقول:

- أعطني كيساً... أريد بندورة، و.. و..  

لن يدخل دكان هذا الجشع، الذي لا يقدر ظروف البائسين، ممن لا سند لهم إلا الله، والمرتب الشهري، و.. ولا شيء آخر.

- إذن ما العمل؟

(قال له عقله):

- ستفرج بإذن الله...  

بدأت ابنته ثريا بمعزوفتها:

- بابا... أريد خمسة... الله يوفقك... خمسة (بس).

لم يلتفت إليها في بداية موشحها، الذي بدأ خطّه البياني بالتصاعد:

- أريد خمسة... بابا... خمسة... أريد أن أشتري أكلات... الأولاد، كلهم معهم خمسات... الله (يخلّيك)... بس خمسة....

هو يعرف "ثريّاه"، أمرها غريب، لا تكلّ ولا تملّ من تلك المعلقة، موشحها لا ينتهي، يبدأ منذ الصباح، ولا تنهيه حتى تقبض بكفها الصغير على الخمسة، وتفر كالعصفورة إلى السمان، ثم يعود موشحها بعد الظهر، وهكذا.  

مساء أمس، بدأت، ظلّت تهذي بالخمسة حتى نامت، وها هي منذ الصباح، عادت بهمة، ونشاط إلى خمستها. 

أقسم لها بحدة، ونزق:

- والله العظيم يا ثريا، يا روحي، لا أملك ليرة واحدة، اتركيني كرامة لله والأنبياء.  

ألقى اللحاف جانباً، استجمع قواه، رشق وجهه بالماء، ارتدى ملابسه، امتطى قدميه إلى شوارع المدينة، من شارع إلى رصيف، ومن واجهة إلى أخرى، إلى الحديقة العامة، ثم استقرّ في ساحة الشهداء، كم تمنى لو أنه استشهد في الحرب، ليقام له نصب في المدينة، جلس على مصطبة حجرية، وراح يتأمل الأطفال والنساء والرجال، كيف يتسلّوْن بعرانيـس الذرة والفستق والبوظة، حاول أن يقارن بينهم وبين زوجته وأولاده، فكانت المعادلة على طرفي نقيض. 

مدّ يده إلى جيوبه الخاوية إلا من بقايا فتات التبغ. تمطّى، وجد نفسه مهزوماً، باعتباره الوحيد، الذي كان بفم غير مشغول، ورأس فارغ أجوف، إلا من القضايا الدولية العصية على الحل، كالجوع والتجويع، والفقر، والتفقير، فكر، ماذا بقي لديه أن يفعل؟ لم يسعفه دماغه المعطل منذ الأمس.  

رأى طفلة شقراء تلوح بخمس ليرات، فتعثرت، طارت الخمسة من يدها، وتهادت قريبا منه، ارتسمت في ذهنه صورة ابنته "ثريا"، خبأ الخمسة تحت قدمه، تلفت حوله، شعر أنه لص، مد يده بحذر، تشاغل برباطة حذائه، أمسك الخمسة بأصابع مرتعشة، أنَّبَهُ ضميره، دسها في جيبه، تنفس الصعداء، حين رأى الناس غير مبالين بفعلته الخسيسة، سمع صوتاً خفيّاً يقول له:

- أنت حرامي، لص، قمت بعمل شائن يا "سيفو".

ركض مذعوراً بين الناس المذهولين بتصرفه الغريب، ظنّوه مجنوناً، أدهشهم، وهو يتفرّس في الوجوه، بحث عن الطفلة صاحبة الخمسة، لم يجدها، صرخ بأعلى صوته:

- يا ناس... لقد وجدت خمس ليرات، من أضاعها، فها هي معي.

تفرق الناس من الساحة، بقي وحيداً، يصارع ضميره، وينادي:

- أنا لست لصاً، هذا الخمسة لثريا أقسم بأنني سأعيدها لصاحبتها الشقراء.   

عاد يجرّ قدميه بتكاسل، وهو يجري حساباته، فتبين له بعد جهد، بأنه لن يستطيع تحقيق التوازن بين طرفي معادلته الصعبة، إلا إذا أصبح الشهر خمسة أيام، وبالتالي، ستكون السنة من ثلاثة وسبعين شهراً، يستطيع من خلالها إيفاء جميع ديونه، والعيش في بحبوحة، وقد يشتري منزلا، ليرتاح من لوعة الكراء.

دخل البيت، اقترب من "ثرياه" التي كانت تهلوس بالخمسة، دسّها في جيبها.  

دفن جسده في الفراش، أغمض عينيه، وراح يهذي:

-الشهر خمسة... خمسة فقط... خم... سة ...خم...سة ..

 

Whatsapp