أمير إبراهيم تريسي: التعامل مع قضية المعتقلين باعتبارها ورقة فوق تفاوضية


الحديث عن قضية المعتقلين السوريين، وما آلت إليه الأوضاع السورية عامة، وكل أنواع العسف والقهر والاعتقال التي تعرض لها الشعب السوري، وما زال يتعرض لها ويعيش ظروفها، خاصة ما جرى من أحكام بالإعدام بحق 95 مواطنًا سوريًا وفلسطينيًا في سجن صيدنايا مؤخرًا، بتهم التظاهر ضد النظام الأسدي وحالة الصمت المطبق، عالميًا وإقليميًا، دون الاهتمام بمئات آلاف المعتقلين الذين يموتون قهرًا وتعذيبًا، في أقبية النظام الأسدي نذكر منهم على سبيل التذكير وليس الحصر: الدكتور عبد القادر الحمادة، الدكتور عبد العزيز الخير، المقدم حسين الهرموش، القاضي رجاء الناصر، سامر الأحمر، عبد الرزاق سعدو، صبحي خبية وآخرين يملؤون الدنيا، ويفقؤون العيون.

عن كل ذلك وسواه كان حوارنا مع المحامي السوري (أمير إبراهيم تريسي)، الذي حمل القضية السورية على كاهله، في مواجهة البغي والبطش الأسدي، حيث تحدث تريسي لإشراق قائلاً:

" لابد من التأكيد على أن آل الأسد ومنذ اللحظة الأولى لاغتصابهم الحكم والسلطة في سورية في نهاية الستينيات من القرن الماضي جعلوا من الاغتيالات والقتل والاعتقال التعسفي منهجًا لهم وسيفًا مسلطًا على رقاب كل من يعارضهم أو يخالفهم الرأي وقد مارسوا هذا الفعل الشنيع واستعملوه كأداة بطش وردع وتخويف وكورقة ضغط مجتمعي خشنة وغير منضبطة، طالت المجتمع السوري برمته، دون أي استثناء، حتى إنهم استخدموه ضد شركائهم، وأدواتهم في الحكم مستندين في ذلك إلى منظومة القوانين التي استنوها لأنفسهم حيث بدأ ذلك من:

1 - قانون الطوارئ. 2- أحكام المادتين /16/و/30/ من المرسوم التشريعي رقم /14/ لعام 1969الخاص بإحداث إدارة أمن الدولة. 3ــ أحكام المادتين /74و101/ من المرسوم التشريعي رقم / 549/ لعام 1969 الخاص بالتنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة وقواعد العاملين فيها. 4ــ الحالة اللادستورية التي خلقوها لأنفسهم والتي كرست كل السلطات في الدولة بيد رئيس الجمهورية وبالتالي مكنته من تجاوز كل الضوابط والاحكام المنصوص عليها في الدستور وفي قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري والتي جعلت من رئيس الجمهورية حاكمًا متحكمًا مستأثرًا بسلطة سن وإصدار المراسيم التشريعية والغائها وتعديلها دون الخضوع لأي رقابة أو الالتزام بأي قاعدة مقررة في شرعة حقوق الانسان، الأمر الذي مكنه وبشكل مطلق من

تعديل المرسوم التشريعي رقم /109/ لعام 1968 (الخاص بمحاكم الميدان العسكرية وتعديل صلاحياتها لتشمل محاكمة المعارضين السياسيين ومعارضي الرأي بالإضافة الى المتعاملين مع الكيان الصهيوني وذلك بإضافة عبارة، أو عند حدوث اضطرابات داخلية - وذلك بموجب المرسوم التشريعي رقم /32/ لعام 1980).

2)اصدار القانون رقم /49/ لعام 1980 الذي يقضي بإنزال عقوبة الإعدام بكل من يعرف عنه انتسابه الى جماعة الاخوان المسلمين.

3)ــ اصدار المرسوم التشريعي رقم /69/ لعام 2008 الذي عدل بموجبه قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية (والذي حصر بموجبه حق ملاحقة عناصر الشرطة المدنية وعناصر الأمن السياسي والجمارك المتهمين بممارسة التعذيب وانتهاك القوانين بالقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة - على الرغم من عدم تبعيتهم لها وتبعيتهم الى وزارة الداخلية)

4)  وصولًا إلى قيامه بإصدار عدة مراسيم تشريعية وبشكل متلاحق اعتبارًا من عام    2011 وحتى الآن، أدخل بموجبها تعديلات على قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري بهدف حماية عناصر الأمن والشبيحة على اختلاف تبعيتهم بجعلهم من عناصر الضابطة العدلية.

5)  وانتهاء بمهزلة إصداره لمراسيم العفو المتلاحقة التي ليس لها من غرض سوى ذر الرماد في العيون والتي تنطوي في حقيقتها على فكرة أنه لا معتقلين لديه وأنه إنما يفرغ السجون عقب كل مرسوم عفو يصدره، (وهو وفي حقيقة الأمر لا يطلق سراح المعتقلين إنما يطلق سراح الرهائن الذين يقوم باحتجازهم دون ما سبب أو مبرر قبيل إصداره لمرسوم العفو أو إجرائه للمصالحات المخادعة)، وتابع السيد تريسي قائلاً : انطلاقًا من هذا العرض وعلى ضوئه وفي ظل سريان مفعول هذه القوانين وغيرها الكثير (المخالفة لأبسط حقوق الانسان والمواطنة).

ضعف المعارضة السورية وعدم كفاءتها وعدم امتلاكها لمؤسسات تعمل على توثيق حالات الاعتقال وفق المعايير وطرق التوثيق المعتمدة والمقبولة دوليًا وإقليميًا وخاصة لدى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

ــ التنكر الدولي للثورة السورية والغموض البين والفاضح في كل من بيان جنيف (الذي نص على وجوب تكثيف وتيرة الإفراج عن الأشخاص المحتجزين تعسفًا وتوسيع نطاقه، ولم ينص على وجوب الافراج الفوري عن هؤلاء المعتقلين، كما أنه لم يحدد أي آلية لذلك ولم ينص على تشكيل لجان تمكن المراقبين الدوليين من الدخول إلى كل المعتقلات لدى النظام وتفتيشها وتوثيق أسماء المعتقلين فيها وبيان حالتهم والمعاملة السيئة التي يتعرضون لها).

ــ القرارات الدولية والأممية وخاصة منها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم (2245)، (التي لم تنص على وجوب وصول المراقبين الدوليين إلى كافة مراكز الاعتقال وبشكل فوري ولم تتضمن الآلية التي يجب اتباعها في ذلك والعقوبات التي يجب أن تطبق على النظام في حال امتناعه عن التنفيذ أو قيامه بعرقلة عمل هؤلاء المراقبين).

ــ التهامس الدولي لإعادة انتاج النظام وتدويره وتلميع رأسه باعتباره الطاغية المفيد لهم بغض النظر عن مأساة الشعب السوري وما تعرض وما يتعرض له مواطنيه من قتل واعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتهجير.

ــ وعلى الرغم من قناعتنا بأن مئات الآلاف من معتقلي الرأي يقبعون في مراكز الاعتقال لدى النظام في ظروف غير إنسانية وتمارس بحقهم شتى وأقسى وأبشع أنواع التعذيب، وأن جلهم معرض للموت إما اهمالًا أو شنقًا بموجب أحكام تصدر عن محاكم ميدانية تعتمد الضبوط المنظمة من قبل الجهات الأمنية المشهود لها عالميًا بالدموية والقذارة وانتزاع الأقوال والاعترافات ممن يقع في قبضتها تحت التعذيب والإكراه المعنوي والمادي واعتباره حجة على المتهم دون أن يكون له الحق بالاستعانة بمحام أو التواصل مع العالم الخارجي، هذه المحاكم التي تنتهك فيها كل حقوق الدفاع، ولا يحكمها أي ضابط ولا تلتزم بأية أصول محددة ومعروفة."،  وحول أوضاع المعتقلين قال تريسي "في ظل كل ذلك، فإننا نستطيع القول بأنه لا يمكن ووفق المعطيات والأحوال السائدة حماية هؤلاء المعتقلين، ولا مد يد العون لهم ولا منع موتهم أو قتلهم ولا وقف المحاكمات غير العادلة الجارية بحقهم، ولا إطلاق سراحهم، أما لجهة الكيفية التي يجب التعامل بها مع هذه القضية فإنني أرى بأنه يجب التعامل مع قضية المعتقلين باعتبارها ورقة فوق تفاوضية ، واعتبار أن مسألة إطلاق سراحهم الفوري مسألة مستقلة وغير مشروطة وغير مرتبطة بأي مسار من مسارات التفاوض كونها تمثل اللبنة الرئيسية والمرتكز الحقيقي المؤسس للعدالة الانتقالية بمفهومها الحقوقي وليس السياسي . وباعتبارها الأرض الصلبة التي يمكن أن تبنى عليها المرحلة الانتقالية وهذا يقتضي من كافة هيئات المعارضة السورية وقف كل أشكال الحوار وتعليق المشاركة بكل المسارات إلى ما بعد البت بقضية المعتقلين وإطلاق سراحهم وتكثيف كل الجهود وحصرها في خانة السعي لتصويب القرارات الأممية وإجلاء ما اعتراها من غموض أو نقص."

تقارير وتحقيقات

أحمد مظهر سعدو

رئيس القسم السياسي

 
 
Whatsapp